☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

الدعوة

كنا أربعة. أنا «كريم»، وأحمد، وسارة، ونور. كلنا في أواخر العشرينات، بنشتغل في محتوى يوتيوب. القناة بتاعتنا اسمها «ليل مظلم»، ومتابعينا كانوا بيزدادوا كل ما نزور مكان مهجور أو مقبرة أو بيت مسكون.

في ليلة من ليالي الصيف، أحمد جاب لينا فيديو قديم على تيك توك. فيديو مهزوز، صوت فيه تنفس سريع، وصورة بكاميرا هاتف لممر طويل مظلم في مبنى مهجور. في الآخر تظهر جملة مكتوبة بالإنجليزي:

«Gonjiam Psychiatric Hospital – Never come back».

أحمد قال بصوت متحمس:

«ده المكان الأشهر في كوريا. مستشفى نفسي اتقفل من التسعينات بعد ما حصل فيه حاجات وحشة. الناس بتقول إن المرضى كانوا بيتعذبوا، وإن المديرة كانت بتقتلهم واحد ورا التاني. محدش دخل وخرج سليم.»

سارة ضحكت وهي بتشرب قهوتها:

«يعني عايزين نموت عشان المشاهدات؟»

نور، اللي كانت دايماً أكترنا حذر، قالت بهدوء:

«لو هنروح، لازم نجهز كويس. وكاميرات احتياطي، وبطاريات، واتصال إنترنت قوي.»

أنا كنت موافق من الأول. كنت محتاج حاجة كبيرة. القناة واقفة، والمشاهدات بتنزل. قلتلهم:

«هنعمل بث مباشر. هنقضي الليلة كلها جوه. ولو حصل أي حاجة، العالم هيشوف.»

اتفقنا. بعد أسبوع كنا في مطار إنتشون، وبعدها في تاكسي بياخدنا لجبل صغير بعيد عن سيول. المكان كان في نص الغابة، والمبنى ظاهر من بعيد زي هيكل عظمي رمادي.

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

 الوصول

الساعة كانت تلاتة العصر لما وصلنا. السور الخارجي متهالك، والبوابة مفتوحة بنصها. على الحيطة الخارجية في كتابات كورية وإشارات تحذير. أحمد ترجم واحدة منها:

«ممنوع الدخول. المكان غير آمن.»

دخلنا. الفناء مليان عشب طويل وأشجار ميتة. المبنى الرئيسي من دورين، نوافذه مكسورة، والأبواب الخشبية متآكلة. ريحة الرطوبة والعفن كانت أول حاجة قابلتنا.

نصبنا الكاميرات. كاميرا رئيسية على صدري، وكاميرا تانية مع سارة، وواحدة ثابتة في المدخل. نور شغلت الراوتر المحمول، وأحمد بدأ البث.

«السلام عليكم يا جماعة، إحنا دلوقتي قدام مستشفى جونجيام النفسي المهجور. هنقضي الليلة كلها جوه، وهنوريكم كل حاجة.»

المتابعين بدأوا يدخلوا. في أول عشر دقايق وصلنا لأكتر من تلات تلاف مشاهد.

دخلنا من الباب الرئيسي. الممر طويل، الحيطان متقشرة، والأرضية مليانة زجاج وورق قديم. على اليمين غرف صغيرة، وعلى الشمال سلم بيطلع للدور التاني.

سارة صورت لافتة قديمة مترجمة:

«جناح المرضى العدوانيين – ممنوع الخروج بدون إذن.»

نور قالت بصوت واطي:

«ريحة دم قديم.»

ماحدش رد.

 image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

الدور الأرضي

بدأنا ندور الغرف واحدة ورا التانية. غرف فاضية، سراير حديد مكسورة، وأدوية منتهية الصلاحية مرمية على الأرض. في غرفة واحدة لقينا دفتر ملاحظات قديم. أحمد فتحه بحرص.

الصفحات مكتوبة بكوري، بس في آخر صفحة جملة بالإنجليزي مكتوبة بخط مرتجف:

«She is still here. The director never left.»

سارة ضحكت عشان تخفف الجو:

«ده تمثيل أكيد. حد بيحط الحاجات دي عشان السياح.»

بس الضحكة وقفت لما سمعنا صوت خطوات فوقينا. خطوات بطيئة، منتظمة، زي حد بيمشي حافي على الخشب.

أحمد رفع الكاميرا لفوق:

«في حد هناك فوق؟»

مافيش رد.

نور قالت:

«ممكن يكون الريح.»

بس الرياح بره كانت هادية.

استمرينا. في آخر الممر لقينا باب حديد مقفول بقفل صدئ. أحمد كسر القفل بمطرقة صغيرة جابها معاه. الباب اتفتح بصوت صرير طويل.

جوه كانت غرفة العمليات. طاولة حديد في النص، سلاسل معلقة في السقف، ومرايا مكسورة على الحيطان. على الحيطة الجنوبية في صورة كبيرة لست في نص العمر، شعرها أسود ومربوط، وابتسامتها باردة. تحت الصورة مكتوب اسم:

«المديرة كيم.»

سارة صورت الصورة وقالت للمتابعين:

«دي الست اللي بيقولوا إنها كانت بتقتل المرضى.»

فجأة الصورة اتحركّت. مش اتهزّت… اتحركّت. عينيها بصّت علينا.

أحمد صرخ:

«شوفوا! شوفوا الكاميرا!»

بس لما رجعنا نشوف التسجيل بعدين، الصورة كانت ثابتة. مفيش حركة.

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

الصعود

قررنا نصعد للدور التاني قبل ما يجي الليل. السلم خشب قديم، كل درجة بتصدر صوت أنين. في نص السلم، نور وقفت فجأة.

«في حد ورايا.»

استدرنا. الممر فاضي.

سارة قالت:

«ممكن صدى.»

بس نور كانت شايفة حاجة تانية. بعدين قالت بصوت مرتعش:

«كانت بتلمس شعري.»

طلعنا. الدور التاني أضيق. الغرف أصغر، وفي نهايته جناح خاص مكتوب عليه «العزل».

دخلنا أول غرفة. السرير لسه عليه شراشف متسخة. على الحيطة في خطوط حفرها حد بأضافره. خطوط كتير أوي، لحد ما الحيطة بقت مليانة خدوش.

أحمد قرأ على الحيطة جملة مكتوبة بالدم الناشف:

«مش عايزين نموت.»

الساعة بقت ستة ونص. الشمس بدأت تغيب. نور قالت:

«لازم نرجع للدور الأرضي قبل ما ييجي الظلام الكامل.»

بس أحمد رفض:

«لسه بدري. هنفضل هنا شوية.»

فجأة كل الكاميرات اتفصلت للحظة. الشاشة سوّدت، وبعدين رجعت. بس الصوت بقى فيه همهمة خفيفة، زي حد بي الهمس من بعيد.

المتابعين بدأوا يكتبوا تعليقات:

«في حاجة ورا نور»

«شوفوا الركن الشمال»

«اطلعوا من هناك»

إحنا ماكنّاش شايفين حاجة.

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

 الظلام

الساعة تسع بالليل. قعدنا في غرفة واسعة في الدور الأرضي، شغّلنا كشافات، وبدأنا ناكل سندوتشات بردة. البث لسه شغال، والمشاهدين وصلوا لأكتر من خمسين ألف.

فجأة الكشافات اطفّت كلها في نفس اللحظة. الظلام بقى مطلق. الصوت الوحيد كان تنفسنا.

سارة صرخت:

«الكاميرا بتاعتي شغالة لوحدها!»

الضوء الأحمر بتاع التسجيل كان بيضيء وشها. الكاميرا كانت بتصور لوحدها، بتتحرك ببطء ناحية الباب.

أحمد جري عليها وطفاها. بس لما فتحها تاني، لقى فيديو مسجل من غير ما حد يسجله. في الفيديو شايفين إحنا قاعدين، ومن ورا نور في ظل طويل لست لابسة أبيض، شعرها أسود وطويل بيوصل للأرض.

الظِل اتحركّ ودخل جوه نور.

نور وقفت فجأة. عينيها سوّدوا. ابتسمت ابتسامة مش ابتسامتها.

قالت بصوت مختلف تماماً، صوت ست مسنّة:

«مرحباً بكم… انتظرتكم طويلاً.»

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

 الانقسام

كريم حاول يمسك نور. بس هي دفعته بقوة مش طبيعية. أحمد جري ناحية الباب، بس الباب اتقفل لوحده. سارة فضلت تصور وهي بتبكي.

نور (أو اللي جواها) مشت ناحية سارة ببطء. كل خطوة بتطلع صوت خشب بيتقصف تحت رجلها.

سارة صرخت:

«نور رجعي! دي مش إنتي!»

الصوت الستاني رد:

«نور راحت. زي الباقيين.»

فجأة الحيطان بدأت تنزف. مش دم أحمر… سائل أسود لزج. الريحة بقت خانقة.

أحمد كسر شباك وحاول يطلع. بس من بره كانت الغابة بقت أقرب، والأشجار بتتحرك زي إن فيها ناس.

كريم سحب سارة وجروا ناحية السلم. نور وراهم. صوتها بقى ضحك مكتوم.

في الدور التاني لقينا باب مفتوح لغرفة ماكنّاش دخلناها قبل كده. دخلنا وقفّلنا الباب. من ورا الباب صوت نور بتتخبط وتضحك.

سارة قالت وهي بترجف:

«الكاميرا الرئيسية لسه بتبث. الناس شايفين كل حاجة.»

بصينا على الموبايل. التعليقات بتطير:

«اطلعوا»

«دي مش تمثيل»

«في حاجة بتكتب على الحيطة وراكم»

استدرنا. على الحيطة ورا ظهرنا كانت بتكتب حروف لوحدها بالسائل الأسود:

«مش هتخرجوا»

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

 الاعتراف

الساعة اتأخرت. البطاريات بدأت تخلص. نور وقفت عن التخبيط. المكان سكت فجأة.

كريم همس:

«ممكن تكون راحت.»

فتحنا الباب بحذر. الممر فاضي. نور مش موجودة.

نزلنا بهدوء. في غرفة العمليات لقيناها قاعدة على الطاولة الحديد، ظهرها لينا، شعرها بيغطي وشها.

سارة نادتها:

«نور؟»

الرأس اتحرك ببطء. لما لفّت، وشها كان وش المديرة اللي في الصورة. نفس الابتسامة الباردة.

قالت:

«كل واحد منكم هيبقى هنا. زي المرضى. زي الأطباء. زيّي.»

أحمد رفع الكاميرا وصاح للمتابعين:

«لو حد شايفنا، بلغوا الشرطة! بلغوا أي حد!»

الضحك رجع. من كل الحيطان. من السقف. من تحت الأرض.

فجأة السلاسل اللي في السقف نزلت لوحدها ولفّت حول رقبة أحمد. رفعته في الهوا. سارة صرخت. كريم حاول يقطّع السلسلة، بس كانت بتشد أكتر.

أحمد اتشنق قدام عينينا. الكاميرا وقعت من إيده، بس فضلت تصور وهو بيتأرجح.

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

 الهروب المستحيل

كريم وسارة جريوا. الباب الرئيسي كان مقفول. الشبابيك عالية. نور (أو المديرة) كانت بتمشي وراهم بهدوء، مش بتسرع.

سارة وقعت. كريم حاول يشيلها. بس حاجة مسكته من رجله. ظل أسود طالع من الأرض.

سارة صرخت:

«سيبني وامشي!»

بس هو ماسابهاش. فضل يشد لحد ما الظل سحبه لتحت. الأرض ابتلعته. سارة فضلت لوحدها.

الكاميرا اللي على صدر كريم فضلت شغالة تحت التراب شوية، وبعدين اقطعت.

سارة جرت لوحدها. لقت باب خلفي مفتوح. خرجت للغابة. الجري استمر دقايق طويلة. بعدين وقفت عشان تلتقط نفسها.

لما بصت وراها، المبنى كان اختفى. الغابة بقت مختلفة. الأشجار أقرب. وفي النص شايفة نور واقفة، بتبتسم، وبتشير لها ترجع.

image about ☠️ 「 البَثّ الأَخِير مِن جُونجِيَام 」

 التسجيل الأخير

سارة وصلت للطريق العام بعد ساعة. تاكسي صدفة وقف. السائق كوري عجوز. لما شافها قال حاجة بالكوري، وبعدين بالإنجليزي الضعيف:

«You came from Gonjiam?»

هي هزت راسها.

السائق غيّر لونه وقال:

«Nobody comes back the same.»

وصّلها لأقرب مدينة. سارة روحت الفندق، قفلت على نفسها، وفتحت اللاب توب. البث لسه موجود على القناة. بس آخر جزء كان مختلف.

في التسجيل، بعد ما كريم اختفى، الكاميرا بتصور سارة وهي بتجري بره. وبعدين الصورة بتلف وتبص على المبنى من بره. المبنى فاضي. مفيش نور. مفيش حد.

وبعدين الشاشة بسوّد، وبتظهر جملة جديدة مكتوبة:

«Next time, bring more.»

سارة مسحت الفيديو. بس كان متأخر. آلاف الناس حملوه. الشرطة الكورية جت. حققوا. لقوا المبنى فاضي. مفيش جثث. مفيش أثر لأحمد ولا كريم ولا نور.

سارة رجعت مصر بعد أسبوع. الناس بتسألها. هي مش بترد.

بس كل ليلة، لما بتنام، بتحلم إنها لسه جوه الممر الطويل. وبسمعت صوت نور بتضحك من ورا الباب. وبتحس بإيد بتلمس شعرها من الضهر.

وفي مرة، وهي بتتصفح الموبايل بالليل، لقت رسالة من رقم مش معروف. الرسالة صورة. صورة ليها وهي نايمة في السرير. والصورة متاخدة من جوه أوضتها.

تحت الصورة مكتوب:

«لسه مستنيينك.»

سارة طفّت الموبايل. قعدت في الضلمة. وبصت على الباب.

الباب كان بيتحرك لوحده… ببطء.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Zeyad Ayman تقييم 4.97 من 5.
المقالات

78

متابعهم

181

متابعهم

319

مقالات مشابة
-