☠️ الــورديــة الأخــيــرة ☠️

الليلة الأولى: التكليف
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل عندما وصلت «سارة» إلى مركز الشرطة القديم في ضواحي المدينة المنسية. المبنى كان مغلقاً منذ أشهر، جدرانه متشققة، والنوافذ مغطاة بألواح خشبية. رائحة العفن والصدأ تملأ الهواء. هذه كانت ورديتها الأخيرة... الوردية الوحيدة في الواقع. المركز سيُغلق نهائياً بعد بضع ساعات، وكانت مهمتها بسيطة: البقاء حتى تأتي فرقة التنظيف والـHAZMAT لجمع الأدلة القديمة التي لا يمكن التخلص منها بسهولة.
سارة كانت ضابطة جديدة، في أول مهمة لها. والدها كان شرطياً قُتل أثناء الخدمة قبل سنوات، وأمها توسلت إليها ألا تقبل هذا التكليف. «هذا المكان ملعون»، قالت الأم بصوت مرتعش. لكن سارة ابتسمت وهزّت رأسها. «مجرد بضع ساعات، يا أمي. ثم أنتهي».
دخل الضابط كوهين معها. كان رجلاً في الخمسينيات، وجهه شاحب و عيناه متعبتان. قادها في جولة سريعة: غرفة التحكم، الزنازين، غرفة الأدلة، الممرات الضيقة. «لا تغادري موقعك»، قال بصوت جاف. «الفرقة ستأتي فجراً. لا تردي على أي اتصال غريب. وإذا سمعت شيئاً... تجاهليه».
ثم تركها وحدها.
الأضواء الفلورسنت كانت تطن طنيناً خفيفاً. سارة جلست خلف المكتب الرئيسي، تفتح السجلات القديمة. الساعة تشير إلى 12:17. كل شيء هادئ... أكثر من اللازم.

الزائرة
فجأة، طرق الباب الخارجي. سارة نهضت، يدها على المسدس. فتحت الباب فوجدت امرأة عجوز، شعرها أشعث، عيناها غائرتان، ترتدي ملابس رثة. «اسمي ماريجولد»، قالت بصوت أجش. «كنت هنا... قبل سنة. في الزنزانة».
سارة لم تدعها تدخل، لكن المرأة استمرت: «القصة التي سمعها الناس كذبة. الطائفة لم تُقتل في منزلها. انتحرت هنا. في هذه الزنازين. جون مايكل بايمون... قائدهم. كان يبتسم وهو يقطع رقبته. والآخرون تبعوه. واحداً تلو الآخر. الدم غطى الأرض. والشرطة... أخفوا كل شيء».
سارة أغلقت الباب بقوة. «اذهبي».
لكن صوت ماريجولد ظل يتردد خلف الباب: «سيعودون الليلة. لأن الليلة... ذكرى موتهم».
سارة عادت إلى المكتب. يداها ترتجفان قليلاً. فتحت السجلات القديمة ووجدت ملفاً مختوماً: «قضية بايمون – سرّي للغاية». قرأت الصفحات: طائفة شيطانية، طقوس دم، انتحار جماعي في المركز قبل سنة بالضبط. التقرير الرسمي قال إنهم قُتلوا في منزلهم. لكن الصور المرفقة... أجساد مقطوعة الرؤوس في الزنازين.
الساعة صارت 1:03.

الأصوات في الممرات
بدأ الصوت أولاً: همس خافت من جهة الزنازين. «سارة... سارة...».
نهضت، أمسكت بالمصباح والمسدس. الممرات كانت مظلمة رغم الأضواء. كلما تقدمت، ازداد الهمس وضوحاً. دخلت إلى منطقة الزنازين. الأبواب كانت مغلقة، لكن أحدها مفتوح قليلاً.
داخل الزنزانة رقم 3، رأت خربشات على الجدران بالدم الجاف: رموز غريبة، ودائرة فيها عين مفتوحة. وفجأة، سمعت صوت بكاء طفل. ثم ضحكات رجالية خشنة.
عادت إلى المكتب مسرعة. الهاتف رن. الرقم غير معروف. رفعت السماعة.
صوت والدها... صوت والدها الميت: «سارة... لا تبقَ هناك. هم يأتون. الطائفة... سيقتحمون المركز».
قطعت الخط. يدها ترتجف بشدة الآن. نظرت إلى الكاميرات. الشاشات كانت فارغة... ثم ظهرت وجوه. وجوه شاحبة، عيون سوداء، أفواه مفتوحة في صراخ صامت. واحد منهم ابتسم... وكان يشبه الرجل في الصور: جون مايكل بايمون.

الاقتحام
الساعة 2:14. الباب الخارجي تحطم. أصوات أقدام كثيرة. سارة اختبأت خلف المكتب، مسدسها مصوب. دخلوا: رجال ونساء بملابس سوداء ممزقة، وجوههم مغطاة بدم جاف، يمسكون سكاكين وأدوات حادة. كانوا يهتفون باسم بايمون.
أطلقت النار. أصابت أحدهم في الصدر. سقط... ثم نهض مبتسماً، الجرح يغلق نفسه. آخر جاء من الخلف. طعنتها في الكتف. صرخت وأطلقت النار مجدداً. رصاصات، دماء، أجساد تسقط ثم تقوم.
هربت إلى غرفة الأدلة. أغلقت الباب. دمها يسيل. نظرت من فتحة الباب فرأت كوهين... كوهين يقف بينهم، يبتسم نفس الابتسامة. «كنت أحدهم»، همس. «دائماً».

الحقيقة المرعبة
في غرفة الأدلة، وجدت صندوقاً قديماً. فتحته. داخلها أشرطة فيديو وتسجيلات صوتية. شغّلت أحدها. رأت والدها... والدها حيّاً، يقف في هذا المركز قبل سنوات. كان يبتسم وهو يساعد في إخفاء الجثث. «الطقوس يجب أن تكتمل»، قال لشخص آخر. «بايمون وعدنا بالحياة الأبدية».
سارة سقطت على ركبتيها. كل شيء كان كذبة. والدها لم يُقتل في مهمة... انضم إليهم. وأمها كانت تعرف.
الهاتف رن مجدداً. صوت والدها: «انضمي إلينا، ابنتي. الوردية الأخيرة... هي البداية».
الأبواب انفتحت من تلقاء نفسها. دخل بايمون. وجهه نصف متعفن، عيناه تلمعان. خلفه الطائفة كلها... وكوهين... وماريجولد... ووالدها.
سارة أطلقت كل الرصاصات. لم يحدث شيء. بايمون اقترب، وضع يده على جرحها. الألم اختفى. شعرت ببرودة تنتشر في جسدها.
«الآن أنتِ واحدة منا»، همس.

الفجر الكاذب
عندما وصلت فرقة الـHAZMAT فجراً، وجدوا المركز هادئاً. لا دماء. لا أجساد. فقط سارة جالسة خلف المكتب، تبتسم ابتسامة غريبة، عيناها سوداوين تماماً.
التقرير الرسمي قال إنها أصيبت بانهيار عصبي بسبب الإجهاد. نُقلت إلى مستشفى نفسي.
لكن في الليالي التالية، بدأ الموظفون في المراكز الأخرى يسمعون همساً في الممرات: «الوردية الأخيرة... قادمة».
وفي أحد الليالي، في مركز شرطة بعيد، طرق الباب. امرأة شابة بشعر أشعث وعينين سوداوين. «اسمي سارة»، قالت. «كنت هنا... قبل سنة».

الدائرة لا تنغلق
القصة لم تنتهِ. كل من يأخذ الوردية الأخيرة في مركز يُغلق... يسمع الهمس. يرى الوجوه. وفي النهاية... ينضم.
لأن بايمون لم يمت. والطائفة لم تنتحر. هم ينتظرون فقط... الوردية التالية.
والليلة... ربما تكون ورديتك.