في هذا المقال

الظل الذي يبتسم
في ليلة خريفية باردة، توقفت سيارة أحمد القديمة على حافة الطريق الترابي المؤدي إلى قرية مهجورة تُدعى «وادي الصمت». كان أحمد صحفيًا يبحث عن قصص غريبة، وقد سمع من أحد الرعاة المسنين عن كهف يُسمونه «فم الشيطان». قالوا إن الكهف يبتلع الأصوات، وإن من يدخل لا يخرج كما دخل. أحمد لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه كان يؤمن بالمال الذي سيجنيه من مقال يثير الرعب.
نزل من السيارة، وأشعل مصباحه اليدوي. الهواء كان ثقيلاً برائحة التراب الرطب وشيء آخر… شيء يشبه اللحم الفاسد الممزوج بالبخور. مشى بين الأشجار الميتة التي بدت كأذرع عظمية تمتد نحوه. بعد عشرين دقيقة، ظهر الكهف. لم يكن فتحة عادية. كانت حافة الصخر منحوتة بشكل غريب يشبه فمًا مفتوحًا بأسنان حادة سوداء، وفي الوسط ظلمة لا تعكس أي ضوء.
أحمد ضحك بسخرية وهمس: «فم الشيطان… يا لها من تسمية درامية». ثم دخل.

الهمسات التي تعرف اسمك
الداخل كان أوسع مما بدا. الجدران رطبة ولامعة، كأنها مغطاة بلعاب. مع كل خطوة، كان الصوت يرتد بطريقة غير طبيعية، كأنه يأتي من حناجر متعددة. فجأة، سمع همسًا. ليس صدى، بل صوتًا واضحًا يناديه باسمه:
«أحمد… أحمد… جئت أخيرًا».
تجمد. أدار المصباح في كل الاتجاهات. لا أحد. الهمس عاد، أقرب هذه المرة، وكأنه يخرج من الجدران نفسها:
«لقد انتظرناك. فمك سيكون أجمل».
أحس ببرودة تسري على رقبته. مد يده ليلمس الجدار، فوجدها لزجة. عندما رفع يده إلى الضوء، رأى خيطًا رفيعًا من سائل أسود يتحرك كأنه حي. سحقه بحذائه وهرول أعمق داخل الكهف، معتقدًا أنه سيجد نهاية أو مخرجًا آخر.
لكن الكهف لم يكن ينتهي. كان يتحول.

الوجوه في الصخر
بعد ساعة من المشي، بدأت الجدران تتغير. ظهرت تجاويف صغيرة تشبه أفواهًا مغلقة. ثم فتحت إحداها. من داخلها خرج صوت طفل يبكي، ثم تحول البكاء إلى ضحك أجش. أحمد ركض. التجويف التالي فتح وأخرج صوت امرأة تصرخ اسمه. الثالث أخرج صوت والده الميت يقول: «لماذا جئت إلى هنا يا بني؟».
توقف أحمد وهو يرتجف. المصباح بدأ يومض. في اللحظة التي انطفأ فيها تمامًا، أحس بشيء يلامس شفتيه. شيء بارد ورطب، يشبه لسانًا كبيرًا يحاول الدخول إلى فمه. صرخ ودفعه بعيدًا، وأشعل المصباح مرة أخرى. لم يرَ شيئًا، لكن شفتيه كانتا مغطاتين بسائل أسود لزج، وطعمه مر كالمعدن الصدئ.
همس الصوت من كل مكان الآن:
«لا تقاوم. الفم يحتاج إلى فم».

الغرفة التي تتنفس
وصل أحمد إلى قاعة واسعة في قلب الكهف. الأرضية كانت ناعمة، كأنها لحم. في الوسط، فجوة كبيرة تشبه حلقًا عملاقًا، تتسع وتضيق ببطء كأن شيئًا يتنفس. من داخل الفجوة تصاعد دخان أسود، ومع الدخان جاءت صور.
رأى نفسه وهو طفل، يقف أمام مرآة في منزل أهله القديم. في المرآة، كان فمه يتسع أكثر فأكثر حتى امتلأ وجهه بصف من الأسنان الحادة. ثم رأى نفسه في المستقبل، جالسًا على كرسي في غرفة مظلمة، يكتب مقالات عن الرعب بينما فمه ينزف سائلاً أسودًا على الأوراق.
الصوت لم يعد همسًا. أصبح صوتًا واحدًا عميقًا يخرج من الفجوة:
«كل من دخل هنا ترك جزءًا من فمه. أنا أجمع الأفواه. أفواه الكذابين، وأفواه الجائعين للمعرفة، وأفواه الذين يبحثون عن الرعب. أنت جئت بنفسك».
أحمد حاول الرجوع، لكن المدخل الذي جاء منه لم يعد موجودًا. الجدران تحركت وأغلقت خلفه. الفجوة في الوسط اتسعت أكثر، وبدأت تسحب الهواء بقوة. شعر بجسده يُسحب نحوها.

الابتلاع
سقط أحمد داخل الفجوة. لم يكن سقوطًا في الظلام، بل سقوطًا في حلق رطب مليء بألسنة طويلة تلتف حول أطرافه. الألسنة كانت باردة، وكانت تهمس بأسماء أشخاص لم يعرفهم أبدًا. واحد منها التصق بوجهه وحاول فتح فمه بالقوة.
أحمد عض اللسان بأقصى قوته. طعم الدم الأسود ملأ حلقه. فجأة، توقفت الألسنة. ثم سمع ضحكًا هائلاً يهز الجدران:
«جيد… أنت تقاوم. المقاومة تجعل الفم ألذ».
وجد نفسه مرة أخرى على الأرضية الناعمة. لكن شيئًا ما تغير. عندما لمس وجهه، اكتشف أن فمه أصبح أوسع مما كان. شفتاه امتدتا إلى جانبي وجهه، وكأن أحدًا يرسم ابتسامة دائمة عليه. حاول إغلاق فمه، فلم يستطع. الأسنان نمت أطول وأكثر حدة.
من الفجوة خرج شكل. لم يكن له جسد واضح، بل كان فمًا عملاقًا يمشي على ألسنة. داخل الفم رأى مئات الوجوه الصغيرة تصرخ بصمت. أحد الوجوه كان وجه الراعي المسن الذي أخبره عن الكهف. آخر كان وجه صديقه الذي اختفى قبل عامين. ثم رأى وجهه هو… ينتظر دوره.

العرض
الشكل اقترب وقال بصوت يتردد في عظام أحمد:
«سأعطيك خيارًا. ابقَ هنا وكن جزءًا مني إلى الأبد، أو اخرج إلى العالم بفم جديد. الفم الجديد سيتحدث نيابة عني. سيحكي القصص، سيكذب، سيجذب الآخرين إلى هنا. كل كلمة تخرج منك ستجلب فمًا جديدًا».
أحمد، وهو يحاول إغلاق فمه المتسع بلا فائدة، صاح بصوت مشوه:
«لا… أريد الخروج فقط».
الشكل ضحك، والضحك جعل الجدران تنزف سائلاً أسود:
«الخروج مسموح. لكن الفم يبقى معي. أنت ستحمل البقية».
فجأة، انفتح مخرج جديد في الجدار. نور خافت تسرب منه. أحمد زحف نحوه بكل ما تبقى من قوته. خلفه، سمع صوت الألسنة وهي تلعق الأرض وراءه، كأنها تودعه.

العودة التي لم تكن عودة
خرج أحمد إلى الهواء الطلق مع بزوغ الفجر. السيارة كانت لا تزال في مكانها. جلس خلف المقود وحاول أن يتنفس بعمق. لكن فمه لم يعد يغلق تمامًا. في المرآة الجانبية، رأى ابتسامة واسعة ثابتة على وجهه، وداخلها لسانًا أسود يتحرك وحده.
عاد إلى المدينة. كتب المقال. المقال انتشر بسرعة مذهلة. الناس أحبوا الرعب فيه. بدأ يتلقى رسائل من قراء يريدون زيارة الكهف. أحمد كان يبتسم دائمًا وهو يرد عليهم، حتى عندما لا يريد الابتسام. في الليل، كان يسمع الهمسات داخل فمه:
«أحضر المزيد… الفم جائع».
بعد أسبوعين، اختفى ثلاثة من قرائه. الشرطة جاءته تستجوبه. أحمد جلس أمام المحقق وابتسم تلك الابتسامة الواسعة، ثم فتح فمه أكثر مما ينبغي لأي إنسان. من داخله خرج صوت الراعي المسن وهو يقول:
«الكهف ينتظر».
المحقق سقط من كرسيه. أحمد قام ومشى خارج القسم بهدوء. في الشارع، رأى انعكاسه في واجهة محل. فمه كان يتسع ببطء، والأسنان تنمو، واللسان الأسود يلوح له كأنه يقول: «قريبًا… ستعود».
في تلك الليلة، رجع أحمد إلى وادي الصمت. لم يأخذ مصباحًا هذه المرة. دخل الكهف وهو يبتسم، والفم العملاق في الداخل فتح ذراعيه — أو ألسنته — لاستقباله.
آخر ما سُمع منه كان ضحكة مكتومة، ثم صوت طحن بطيء، كأن شيئًا يمضغ لحمًا وعظامًا بهدوء شديد.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ الكهف يتسع. والفم… لم يعد جائعًا كما كان.


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق