༺ دَعْهَا تَدْخُل ༻

الثلج الذي يبتلع الأصوات
كان الشتاء في ضاحية ستوكهولم القديمة لا يشبه أي شتاء آخر. الثلج يتساقط بصمتٍ كثيف، كأن السماء تدفن المدينة حياً. الشوارع فارغة بعد الغروب، والمصابيح الصفراء الضعيفة ترسم دوائر باهتة على الأرصفة المتجمدة. في أحد المباني السكنية المنخفضة، في الطابق الثاني، كان هناك صبي اسمه أوسكار، في الثانية عشرة من عمره، يقضي أمسياته وحيداً خلف النافذة.
كان ينظر إلى الفناء الخلفي المغطى بالثلج، ويعدّ آثار الأقدام التي تختفي بسرعة. كان يحمل سكيناً صغيراً في جيبه، ليس ليقتل، بل ليتخيل أنه يقتل. الأطفال في المدرسة كانوا يضربونه، يدفعونه إلى الثلج، ويضحكون وهو يحاول النهوض. كان يتخيل وجوههم تتحول إلى دم، ثم يتوقف عن التخيل لأنه يخاف من نفسه.
في تلك الليلة، سمع صوتاً خفيفاً من الشقة المجاورة. صوت خطوات بطيئة، ثم صمتاً طويلاً. لم يكن أحد يسكن هناك منذ أشهر. ثم ظهرت نافذة مضاءة بضوء خافت جداً، كأن مصباحاً يحتضر.

الجارة التي لا تتنفس
في اليوم التالي، رأى أوسكار فتاة تقف في الفناء. كانت صغيرة، شعرها أسود طويل يغطي جزءاً من وجهها، وملابسها قديمة وكأن الزمن توقف عندها. كانت حافية القدمين على الثلج، لكنها لم ترتعش. نظرت إليه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة جداً، غير مكتملة.
اقترب منها بحذر. قالت بصوت منخفض، كأنها تهمس من تحت الماء:
— أنا إيلي.
— أوسكار.
وقفتا صامتين. الثلج يتساقط على كتفيها ولا يذوب. سألها لماذا لا ترتدي حذاءً، فأجابت:
— أنا لا أشعر بالبرد.
ثم أضافت بعد لحظة:
— هل يمكنني أن أدخل؟
نظر أوسكار إلى الشقة المجاورة، ثم إلى وجهها. كانت عيناها واسعتين، لكن في أعماقهما شيء قديم جداً، شيء رأى قروناً تمر. قال لها نعم، دون أن يفهم لماذا. فتحت الباب الخلفي للشقة المجاورة ودخلت. لم يطلب منها أحد أن تدخل. هو الذي سمح.
في تلك الليلة، حلم أوسكار بالدم. حلم أنه يرى يداً بيضاء رفيعة تمتد من الظلام وتفتح صنبور الحمام، فيسيل دم أحمر غامق على البلاط الأبيض. استيقظ وهو يرتجف، وسمع صوت بكاء خفيف من الجدار الفاصل.

الدم تحت الثلج
بدأت الجثث تظهر. رجل عجوز وُجد في الحديقة العامة، عنقه ممزق، والثلج حوله ملطخ بلون أحمر داكن تجمد بسرعة. ثم شابة في موقف السيارات، ثم طفل في عمر أوسكار تقريباً. الشرطة قالت إنها حيوانات مفترسة، لكن الجميع يعرف أن الذئاب لا تعيش في المدينة.
أوسكار كان يرى إيلي في الليل. كانت تخرج من الشقة بعد منتصف الليل، تمشي ببطء في الثلج، ثم تختفي بين الأشجار. في إحدى الليالي، تبعها. رآها تنحني فوق رجل سكران نائم على مقعد، ثم سمعت صوت مصّ رطب، وصوت عظام تتكسر بهدوء. عندما رفعت رأسها، كان فمها مليئاً بالدم، وعيناها تلمعان في الظلام كعيني حيوان جائع.
لم تهرب. نظرت إليه وقالت:
— لم أدعُك لترى هذا.
ثم مسحت فمها بظهر يدها وأضافت:
— أنت دعوتني للدخول. الآن أنا هنا.
عاد أوسكار إلى بيته وهو يرتجف. لم يخبر أحداً. في الصباح، وجد على عتبة بابه كيساً صغيراً من الورق. داخله قطعة حلوى قديمة، وورقة مكتوب عليها بخط طفولي: «شكراً لأنك تركتني أدخل».

الصداقة التي تشبه الجرح
بدأ أوسكار يقضي وقته مع إيلي. كانت تأتي إلى غرفته عبر النافذة، لأنها قالت إن الأبواب العادية تخيفها. كانت تجلس على السرير وتتحدث عن أشياء قديمة: عن حروب لم يسمع بها، عن مدن اختفت، عن أناس ماتوا منذ مئات السنين وهي ما زالت تتذكر وجوههم.
سألها مرة:
— كم عمرك؟
أجابت بعد صمت طويل:
— اثنتا عشرة... منذ وقت طويل جداً.
ثم أمسكت يده. كانت يدها باردة كالثلج، لكن نبضها كان غريباً، بطيئاً جداً، كأنه ينبض مرة كل دقيقة.
في المدرسة، ازدادت الضربات. ثلاثة أولاد دفعوا أوسكار إلى المرحاض وغطسوا رأسه في الماء حتى كاد يختنق. في تلك الليلة، جاءته إيلي وهي غاضبة. عيناها حمراوان، وأظافرها أطول مما كانت. قالت:
— أرني من هم.
رفض في البداية. ثم أخذها إلى المدرسة في الصباح الباكر، وأشار إلى الأولاد من بعيد. ابتسمت إيلي ابتسامة بطيئة، ثم اختفت.
في الليلة التالية، وُجد أحدهم في الشارع، وجهه ممزق كأن شيئاً حاول أن يأكل عينيه. الثاني اختفى تماماً. الثالث وُجد حياً، لكنه فقد عقله. كان يصرخ أن «الطفلة» دخلت غرفته رغم أن الباب كان مغلقاً، وأنها سألته إن كان يدعوها للدخول، وعندما صرخ «لا»، دخلت على أي حال ومزقت حلقه بأسنانها ثم تركته ينزف ببطء.
أوسكار عرف. شعر بالذنب والرضا في الوقت نفسه. إيلي جاءت إليه في الليلة التالية وقالت:
— الآن لن يؤذوك مرة أخرى.
ثم احتضنته. رائحتها كانت مزيجاً من الدم القديم والثلج.
الدعوة الثانية
بدأت إيلي تضعف. كانت تحتاج إلى دم أكثر. كانت تخرج كل ليلة وتعود أضعف، جروحها لا تلتئم بسرعة. في إحدى الليالي، دخلت غرفة أوسكار وهي ترتجف بعنف. قالت:
— أنا جائعة جداً... وأنت دعوتني مرة. هل تدعوني مرة أخرى؟
فهم. فهم أن الدعوة ليست مجرد كلمات. أنها عقد. وأنه إذا دعاها الآن، لن يستطيع أن يأخذها منه أبداً.
قال بصوت مرتجف:
— ادخلي.
اقتربت منه. لم تعضّ رقبته فوراً. جلست بجانبه ووضعت رأسها على كتفه. قالت:
— أنا لست طفلة. أنا شيء آخر. شيء يحتاج إلى أن يُدعى.
ثم عضّت. الألم كان حاداً في البداية، ثم تحول إلى دفء غريب. شعر أوسكار بدمائه يغادر جسده ببطء، ورأى رؤى: مدن قديمة، قبور مفتوحة، أطفال يبكون في الظلام ثم يتوقفون فجأة. عندما توقفت، كان وجهها قد استعاد بعض اللون، وكانت تبتسم.
— الآن أنت جزء مني، وأنا جزء منك.
الثمن الذي لا يُدفع مرة واحدة
بدأت التغييرات. أوسكار لم يعد يتحمل ضوء الشمس جيداً. كان يشعر بالجوع في الليل، جوعاً ليس للطعام. رأى نفسه في المرآة ذات صباح، ولاحظ أن ظله أبطأ من حركته. إيلي كانت سعيدة. كانت تخبره قصصاً عن كيف عاشا معاً لقرون، وكيف سيعيشان.
لكن الدم لم يكن كافياً. الجثث زادت. الجيران بدأوا يهمسون. الشرطة طرقت الباب مرة، ثم مرتين. في الليلة الثالثة، جاء رجل عجوز إلى الشقة المجاورة. كان يحمل صليباً قديماً وزجاجة فيها سائل شفاف. كان يعرف.
طرق الباب وقال بصوت عالٍ:
— أعرف ما أنتِ. اخرجي.
إيلي لم تخرج. أوسكار فتح الباب بدلاً منها. الرجل نظر إليه ورأى شيئاً في عينيه جعله يتراجع خطوة. ثم قال:
— أنت دعوتها. الآن أنت مثلها.
حاول الرجل أن يدخل، لكن أوسكار قال بهدوء:
— لا أدعوك للدخول.
توقف الرجل عند العتبة، كأن جداراً غير مرئي منعه. إيلي ظهرت خلف أوسكار، وابتسمت. في تلك الليلة، لم يُعثر على الرجل أبداً. فقط صليب مكسور في الثلج، وزجاجة فارغة.
الليلة الأخيرة قبل الصقيع الأبدي
مرّت أسابيع. أوسكار لم يعد يذهب إلى المدرسة. كان ينام في النهار ويخرج مع إيلي في الليل. تعلّم كيف يدعو الضحايا. كان يقول لهم «ادخل» وهم يقفون مرتبكين أمام الباب، ثم تراهم إيلي تمزقهم ببطء بينما هو يراقب.
في ليلة عاصفة ثلجية شديدة، جلسا معاً في غرفة أوسكار. قالت إيلي:
— قريباً لن نحتاج إلى أحد. سنجد مكاناً أبعد، حيث لا يبحث أحد.
ثم نظرت إليه بجدية:
— هل ما زلت تدعوني؟ كل ليلة؟
أجاب أوسكار:
— كل ليلة.
ابتسمت. ثم فتحت فمها، وأظهرت أنياباً أطول مما كانت. اقتربت من رقبته مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تتوقف بسرعة. شعرت أوسكار بالضعف يتسلل إلى أطرافه، وبالظلام يزحف من حواف بصره. حاول أن يدفعها، لكنها كانت أقوى. همست في أذنه:
— أنت دعوتني للدخول إلى حياتك. الآن أنا أدعوك للدخول إلى موتي.
عندما استيقظ، كان في صندوق خشبي كبير. كان الظلام مطبقاً، والهواء بارداً ورطباً. سمع صوت عجلات قطار، وشعر بالحركة. فتح عينه بصعوبة، ورأى إيلي جالسة بجانبه في الظلام، تبتسم.
— نحن نذهب بعيداً الآن. إلى مكان لا يذوب فيه الثلج أبداً.
مدّ يده نحوها. أمسكتها. كانت يدها باردة، لكنها الآن تشبه يده تماماً. في الخارج، كان الثلج يتساقط على نوافذ القطار، والأصوات تختفي واحدة تلو الأخرى، كأن العالم كله يُدفن تحت طبقة بيضاء صامتة.
وفي الصندوق المظلم، سمع أوسكار صوت مصّ خفيف، ثم شعر بدفء غريب ينتشر في رقبته مرة أخرى. هذه المرة لم يقاوم. ابتسم في الظلام، وهمس:
— ادخلي.
وانغلق الصندوق عليهما، بينما القطار يمضي في الليل الطويل الذي لا ينتهي.