666: المكالمة القادمة من الجحيم

المكالمة الأولى
كان أحمد يجلس في شقته الصغيرة في حي شعبي بإحدى ضواحي القاهرة، يدخن سيجارة ويتصفح هاتفه بلا هدف. الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. الجو ثقيل، والكهرباء تتقطع كعادتها. فجأة، رن هاتفه. رقم غريب: 666.
لم يكن الرقم مكتملاً. ثلاثة أرقام فقط، متكررة بشكل مرعب. ظنها خطأ أو إعلاناً. رفع السماعة بسخرية:
“ألو؟”
صمت. ثم صوت تنهد خفيف، كأن شخصاً يلهث بعد ركض طويل.
“أحمد... ساعدني...”
الصوت أنثوي، مكسور، يشبه صوتاً خرج من تحت الماء. أغلق أحمد الخط فوراً. شعر بقشعريرة تمر في عموده الفقري. كيف عرف الاسم؟ ربما صدفة. حاول ينام، لكن الرقم 666 بقي عالقاً في ذهنه مثل لعنة.

الرسالة الثانية
في الصباح التالي، استيقظ على رسالة نصية من نفس الرقم:
“أنا لست ميتة بعد... الباب مفتوح.”
قلب أحمد يدق بعنف. لم يكن هناك أي باب مفتوح في شقته. خرج يتفقد الممر، لا أحد. حاول الاتصال بالرقم، لكن الخط كان مشغولاً دائماً. اتصل بشركة الاتصالات، قالوا له إن الرقم غير مسجل، ولا يوجد له سجل.
في المساء، رن الهاتف مرة أخرى. 666.
هذه المرة سمع صوتاً أوضح. صوت فتاة تبكي بهدوء.
“أنا في الغرفة... معك... من زمان.”
نظر أحمد حوله. الشقة فارغة. أغلق الخط وفتح التطبيقات لتسجيل المكالمة، لكن كل مرة يحاول يرفع السماعة، ينقطع التسجيل. كأن الرقم 666 يعرف.

الظلال في المرآة
بدأت الأمور تتدهور بعد ثلاثة أيام. كان أحمد يستحمي عندما رن الهاتف. خرج مسرعاً، الماء يقطر من جسده. رفع:
“مين؟!”
“أنا سارة... كنت جارةك في الشقة رقم 6... قبل ما تموتي.”
ضحك أحمد ضحكة متوترة. “أنا راجل يا مجنونة!”
لكن الصوت استمر:
“أنت مش أحمد... أنت اللي سرقت الشقة... بعد ما قتلوني.”
انقطع الخط. ذهب أحمد ليفتح باب الشقة المجاورة التي كانت فارغة منذ شهور. كان الباب مغلقاً بقفل صدئ. لكنه عندما نظر من خلال الشق، رأى شيئاً. مرآة مكسورة في الداخل، وعليها كتابة بالأحمر: "666".
عاد أحمد يجري. في مرآة حمامه، رأى وجهاً خلفه لثانية واحدة. وجه فتاة شاحبة، عيونها سوداء تماماً. صرخ وكسر المرآة.

الأصوات داخل الجدران
في الليلة الرابعة، لم يعد يستطيع النوم. كلما أغلق عينيه، يسمع همساً من داخل الجدران:
“أحمد... افتح الباب... أنا برد...”
ثم طرق خفيف على الحائط. نقر... نقر... نقر. ثلاث مرات. ثم صمت. ثم ثلاث مرات أخرى. كان الطرق يتبع نبض قلبه.
حاول يهرب. نزل إلى الشارع، لكن هاتفه رن في جيبه. 666.
“لو خرجت... هاجي معاك.”
عاد مسرعاً إلى الشقة. أغلق كل الأنوار، جلس في الظلام يمسك بسكين مطبخ. الساعة الثالثة صباحاً، رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة كان الصوت مختلفاً. صوت رجل كبير في السن، مبحوح:
“يا ولدي... هي مش هتسيبك... لازم تدفع الثمن.”
“أي ثمن؟! أنا ما عملتش حاجة!”
“أنت ساكن في قبرها... الشقة كانت ملكها... وأهلها قتلوها عشان الفلوس... وأنت اشتريتها رخيص.”
بدأ أحمد يتذكر. فعلاً، اشترى الشقة بثمن بخس جداً بعد وفاة مالكتها السابقة في ظروف غامضة. قالوا إنها انتحرت.

الكشف المرعب
في اليوم الخامس، قرر أحمد يبحث عن الحقيقة. ذهب إلى مكتب العقارات القديم. الرجل العجوز هناك شحب وجهه عندما سمع الرقم 666.
“يا بني... محدش بيذكر الرقم ده... كانت بنتي.”
روى الرجل القصة بصوت مرتجف. ابنته سارة، كانت تعيش في الشقة. أخوها وزوجته قتلوها خنقاً ثم زيفوا انتحارها ليحصلوا على الإرث. دفنوها في مكان سري داخل الجدران، ووضعوا رقم هاتفها القديم (الذي انتهى بـ666) كرقم للتواصل مع "الورثة".
“هي مش قادرة ترتاح... كل اللي سكن الشقة بعد كده... مات أو جن.”
خرج أحمد مذعوراً. في طريق العودة، رن الهاتف.
“دلوقتي عرفت... تعالى... خليني أشوفك.”

الليلة الأخيرة
دخل الشقة. كل الأنوار مطفأة. الهاتف في يده يرن باستمرار. 666... 666... 666…
فتح التطبيق وشغل المكالمة على السبيكر.
الصوت الآن واضح جداً، كأنه بجانبه:
“أحمد... أنا تحت سريرك... من أول يوم.”
نظر تحت السرير. لا شيء. لكن عندما رفع رأسه، كانت تقف أمامه.
سارة. بشرتها زرقاء، شعرها مبلل كأنها خرجت من الماء، فمها مفتوح على وسعه لكن لا صوت يخرج. عيناها تنزفان دماً أسود.
صرخ أحمد وهرب نحو الباب. لكن الباب كان مغلقاً. لم يكن مغلقاً من قبل.
رن الهاتف في يده مرة أخيرة. رفع.
صوتها مباشرة في أذنه، ليس من الهاتف، بل من خلفه:
“دلوقتي... دورك.”
شعر بيد باردة تمسك عنقه. ضغط ببطء. حاول يصرخ لكن صوته اختفى. آخر ما سمعه كان همساً:
“هاتفك... هيبقى رقمي الجديد...”

النهاية
بعد أسبوع، انتقل شاب جديد إلى الشقة. كان سعيداً بالسعر الرخيص. في أول ليلة، رن هاتفه.
رقم: 666.
رفع السماعة بابتسامة.
“ألو؟”
صوت أحمد، مكسور، يلهث:
“ساعدني... هي لسه هنا...”