🩸 ⚰️ المقبرة 39 ⚰️

الليلة الأولى: صوت الحفر
اسمي كريم. أربعون سنة، مطلق، بلا أطفال، بلا أحد ينتظرني في البيت. العمل الوحيد الذي وجدته بعد أن طُردت من الحراسة في المول هو حراسة مقبرة رقم 39 في أقصى أطراف المدينة. قالوا لي إنها قديمة، مهجورة جزئياً، وأن الحارس السابق ترك العمل فجأة دون سبب. الراتب جيد، والليل هادئ. أو هكذا ظننت.
في الليلة الأولى، وصلت قبل الغروب. المقابر تمتد كمدينة ميتة. شواهد قبور مائلة، أشجار سرو سوداء كأنها أصابع طويلة، ورائحة تراب رطب لا تفارق أنفك. الكوخ الصغير عند البوابة يحتوي على كرسي خشبي، مصباح نفطي، وراديو قديم لا يعمل. أعطوني مفاتيح البوابة الحديدية الثقيلة، ومصباحاً يدوياً، وقالوا: «لا تدخل الصفوف الخلفية بعد منتصف الليل. هناك قبور قديمة غير مسجلة».
الساعة الحادية عشرة. مشيت بين الممرات. صوت خطواتي على الحصى كان الوحيد. ثم سمعت شيئاً. حفر. صوت مجرفة تدخل التراب ببطء، منتظم، كأنها تعد. وقفت. أطفأت المصباح. الصوت جاء من الصف السابع والثلاثين. اقتربت. لا أحد. التراب فوق أحد القبور طري، كأن أحداً حفره للتو ثم ردمه. وضعت يدي عليه. كان دافئاً.
عدت إلى الكوخ وأغلقت الباب. لم أنم. في الساعة الثالثة صباحاً سمعت الاسم يُنادى من بعيد: «كريم… كريم…». صوت أنثوي، ضعيف، كأنه يخرج من تحت الأرض.

الليلة الثالثة: القبر الذي يتنفس
في الليلة الثالثة قررت أن أتجاهل التعليمات. حملت المصباح وذهبت إلى الصفوف الخلفية. هناك، بين الشواهد المكسورة، وجدت قبراً بلا اسم. فقط الرقم «39» محفوراً بعمق في الحجر. التراب فوقه يرتفع وينخفض ببطء، كصدر يتنفس. اقتربت. وضعت أذني عليه.
سمعت همساً: «افتح… أنا لست ميتة… افتح».
هويت إلى الوراء. المصباح سقط. في الظلام رأيت شيئاً يتحرك تحت التراب. أصابع رفيعة، رمادية، تخرج ببطء، ثم تختبئ. ركضت. لم أتوقف حتى وصلت إلى الكوخ. أغلقت الباب بالمزلاج وأسندت الكرسي عليه. طوال الليل سمعت الطرق على الباب. خفيف في البداية، ثم أقوى. صوت أظافر طويلة تخدش الخشب.
في الصباح، الباب سليم. لكن على الأرض أمامه كانت هناك أظافر بشرية مكسورة، متسخة بالتراب.

الليلة السابعة: الحارس السابق
وجدت دفتر يوميات مخبأ تحت لوح خشبي في الكوخ. صاحبه اسمه «فارس». آخر صفحة مكتوبة بخط مرتجف:
«اليوم السابع والثلاثون. الرقم يظهر في كل مكان. على الشواهد، على يدي، في المرآة. هي تطلب مني أن أحفر. تقول إن المقبرة 39 ليست مقبرة. إنها باب. وأن الحارس هو المفتاح. لا أستطيع النوم. هي تدخل أحلامي وتفتح فمي وتضع التراب داخله. غداً سأحفر لها. ربما تتركني».
الصفحة التالية فارغة. والصفحة التي بعدها مليئة بخطوط عشوائية ودماء جافة.
بحثت عن فارس. لا أحد يعرفه في المدينة. كأن الرجل لم يوجد.
في تلك الليلة، وأنا أمشي بين القبور، رأيت رجلاً يقف عند القبر رقم 39. ظهره إليّ. رداء الحراسة نفسه الذي أرتديه. ناديته. التفت ببطء. وجهه محفور، عيناه محفورتان، فمه مفتوح كحفرة. قال بصوت طيني: «لقد حفرت لها. الآن دورك».
اختفى. بقي مكانه رائحة عفنة قوية.

الليلة الثانية عشرة: الأسماء
بدأت الأسماء تظهر على جدران الكوخ من الداخل. مكتوبة بتراب رطب. أسماء نساء وأطفال. كلها تنتهي بالرقم 39. في إحدى الليالي استيقظت على صوت بكاء طفل تحت سريري. أطفأت المصباح ورفعت الغطاء. لا شيء. لكن حين أدرت رأسي رأيت على الحائط كلمة جديدة: «كريم 39».
خرجت. القبور كانت مفتوحة. كلها. التوابيت فارغة. والأجساد… الأجساد واقفة في صفوف مستقيمة، وجوهها مغطاة بالتراب، أيديها ممدودة نحوي. لم تتحرك. فقط نظرت. آلاف العيون الفارغة تحت طبقات الطين.
صرخت. ركضت إلى البوابة. المفتاح لم يعمل. البوابة كانت مغلقة من الخارج بسلاسل صدئة لم تكن موجودة من قبل.

الليلة التاسعة عشرة: الحفر
لم أعد أسيطر على يدي. في منتصف الليل أجد نفسي أحمل المجرفة وأحفر عند القبر رقم 39. التراب يخرج بسهولة، كأنه ينتظر. في الليلة التاسعة عشرة وصلت إلى عمق مترين. لم أجد تابوتاً. وجدت باباً خشبياً قديماً، محفور عليه نفس الرقم. فتحتُه.
تحت الباب كان هناك درج ينزل في الظلام. رائحة رطوبة ودم قديم. نزلت. الجدران تضيق. في الأسفل وجدت غرفة دائرية. في وسطها امرأة جالسة على كرسي من عظام. وجهها مغطى بشعر أسود طويل متسخ. حين رفعت رأسها رأيت أنها بلا عيون. فقط حفرتان سوداوان يسيل منهما تراب أسود.
قالت: «أخيراً جئت، حارسي الجديد. المقبرة 39 ليست مكاناً للموتى. إنها مكان لمن لم يُدفَنوا بعد. كل حارس يحفر لنفسه. فارس حفر. والذين قبله حفروا. والآن أنت».
مدّت يدها. أصابعها طويلة جداً، تنتهي بأظافر سوداء. لمست صدري. شعرت ببرد يخترق العظام.

الليلة السابعة والعشرون: الجسد الآخر
بدأت أرى نفسي في المرايا والمياه الراكدة. نسخة أخرى مني، وجهها متآكل، عيناها مطفأتان، تبتسم. في إحدى الليالي استيقظت وأنا أقف أمام القبر رقم 39، يداي ملطختان بالتراب، والمجرفة بجانبي. القبر مفتوح. في داخله جسد يرتدي ملابسي. وجهه وجهي. لكنه ميت. وفمه مفتوح كأن أحداً أجبره على الصراخ وهو يُدفن.
ركضت إلى الكوخ. نظرت في المرآة الصغيرة. وجهي كان طبيعياً. لكن حين أدرت ظهري سمعت صوت ضحك خافت من المرآة.
في الصباح وجدت رسالة مكتوبة على الزجاج من الداخل: «قريباً سألبس جلدك».

الليلة الرابعة والثلاثون: الدعوة
صوتها أصبح دائماً في رأسي. تهمس: «احفر أعمق. هناك المزيد. المقبرة تريد حارساً أبدياً. أنت اخترت الرقم. الرقم اختارك».
في تلك الليلة فتحت الباب الخشبي مرة أخرى ونزلت. الغرفة الدائرية كانت ممتلئة الآن. أجساد الحراس السابقين كلهم واقفون في دائرة، وجوههم متجهة إليّ. فارس في المقدمة. فتح فمه فخرج منه تراب أسود سال على الأرض وتشكل كلمة: «انضم».
المرأة بلا عيون مدت يدها مرة أخرى. هذه المرة لمست وجهي. شعرت بجلدي ينفصل ببطء. رأيت يدي تتحلل أمام عيني، اللحم يسقط كطين رطب. صرخت لكن الصوت خرج طينياً.

الليلة التاسعة والثلاثون: الحارس الجديد
اليوم هو الليلة التاسعة والثلاثون.
أنا أكتب هذه الكلمات بأصابع لم تعد أصابعي تماماً. الجلد يتقشر، والأظافر تطول. المرأة تنتظر عند الباب. الحراس السابقون يصفقون ببطء، صوت عظام على عظام.
القبر رقم 39 مفتوح. التابوت الذي لم يكن موجوداً أصبح موجوداً. وهو على مقاسي تماماً.
أنا لست كريم بعد الآن. كريم دُفن الليلة الماضية وهو يصرخ تحت التراب الذي حفرته بيديه. أنا الشيء الذي خرج من القبر ليرتدي جلده.
إذا قرأت هذه الكلمات، فاعلم أنك الحارس التالي.
المقبرة 39 لا تنام.
والمفتاح… دائماً يأتي وحده.