🩸 🏚️ البيت... الذي لا يَغادره أحد

اليوم الأول: الصحوة في الظلام
استيقظتُ على صوت صرير خشبٍ قديم، كأنّ أحدًا يسحب قدمه على الأرض فوق رأسي. لم أكن أعرف أين أنا. الهواء ثقيل، رائحة عفنة مخلوطة بشيء معدنيّ حاد يشبه الدم الجاف. حاولتُ أن أحرك يدي، فوجدتُها مقيدةً بحبلٍ خشنٍ إلى السرير الحديدي. الغرفة مظلمة إلا من ضوءٍ باهت يتسرب من نافذةٍ مغطاة بألواح خشبية مثقوبة.
تذكرتُ آخر شيء: كنتُ أسير في الغابة بعد أن تعطلت سيارتي. سمعتُ صوت بكاء طفلٍ بعيد، فتبعته. ثم... لا شيء. فقط ظلام.
سمعتُ خطواتٍ بطيئة خارج الباب. خطواتٌ ثقيلة، غير منتظمة، كأنّ صاحبها يجرّ إحدى قدميه. ثم صوت همهمة أنثوية منخفضة، مثل أغنية مهد قديمة تُغنى بطريقة خاطئة. اقتربت الخطوات. توقفت أمام الباب. سمعتُ تنفسًا ثقيلًا، ثم صوت مفتاح يُدار ببطء.
دخل الضوء الخافت من المصباح اليدوي الذي تحمله. امرأة عجوز. شعرها الأبيض متسخ ومبعثر، وجهها متجعد كقشرة شجرة ميتة، وعيناها لامعتان بشكل غير طبيعي في الظلام. كانت تبتسم ابتسامةً صغيرة ثابتة، وأسنانها صفراء مكسورة. في يدها عصا خشبية سميكة ملطخة ببقع داكنة.
اقتربت مني ببطء. لم تتكلم. فقط نظرت إليّ كأنّها تدرس حيوانًا جديدًا. ثم رفعت العصا وضربتني على رأسي. انطفأ كل شيء.

اليوم الثاني: القواعد غير المكتوبة
عندما استيقظتُ مرة أخرى، كانت القيود قد فُكت. الباب مفتوح جزئيًا. على الطاولة بجانب السرير ورقة مكتوبة بخطٍّ مرتجف:
“لديك خمسة أيام. العب معي. إذا خرجتَ قبل ذلك... سآكل ما تبقى منك.”
لم أصدق. نهضتُ مرتجفًا. رأسي يؤلمني، ودمٌ جاف على صدغي. نزلتُ الدرج بحذر. المنزل قديم جدًا، أرضياته صرّارة، جدرانه مليئة بصور عائلية باهتة لأناسٍ يبتسمون ابتسامات ميتة. في المطبخ وجدتُ ثلاجة فارغة إلا من قطع لحمٍ غريبة الشكل محفوظة في أكياس بلاستيكية. رائحتها جعلتني أتقيأ في الحوض.
سمعتُ صوتها فجأة من الطابق العلوي: ضحكة قصيرة حادة مثل صرير باب. ثم خطواتها البطيئة بدأت تنزل. اختبأتُ خلف الأريكة في غرفة المعيشة. مرت بجانبي، العصا في يدها، وهي تهمس لنفسها بكلمات غير مفهومة. توقفت لحظة، رفعت رأسها كأنّها تشم الهواء، ثم استمرت.
قضيتُ الساعات التالية أتجول في المنزل بهدوء تام. كل صوتٍ أصدره كان يجذبها. وجدتُ أبوابًا مغلقة بقفل، ودرجًا يؤدي إلى القبو، ونافذةً في الطابق العلوي مسدودة بألواح. في إحدى الغرف وجدتُ دمية دب قديمة ممزقة، وعظامًا صغيرة مرتبة على الرف كأنها تذكار.
في المساء، بينما كنتُ أحاول فتح قفل الباب الخلفي بمفك وجدته، سمعتُ صوتها خلف ظهرِي مباشرة. لم أسمع خطواتها هذه المرة. التفتُّ ببطء. كانت تقف على بعد مترين، تبتسم تلك الابتسامة الثابتة. رفعت العصا. ركضتُ. سقطتُ على الدرج. ضربتني مرة أخرى.

اليوم الثالث: ما وجدته في القبو
عندما استيقظتُ هذه المرة، كنتُ في القبو. الظلام هنا أعمق. رائحة رطوبة وشيء متعفن. على الجدران سلاسل حديدية، وبعضها لا يزال معلّقًا ببقايا أقمشة ممزقة. في الزاوية طاولة عمل عليها سكاكين صدئة، ومنشار يدوي، ودفاتر قديمة.
فتحتُ أحد الدفاتر على ضوء هاتفي الذي كان لا يزال يعمل بصعوبة. الخط نفسه الذي رأيته على الورقة. كانت تكتب يوميًا:
“اليوم جاء زائر جديد. شاب. سيبقى معي خمسة أيام كما العادة. إذا لم يهرب، سأطعمه للتربة. التربة جائعة دائمًا.”
في صفحة أخرى: “فالنتينا كانت تزعجني. لم تغسل الفناجين. قطّعتها في المطبخ. طهوتُ الرأس. الطعم كان مالحًا أكثر مما توقعت.”
قلبي توقف. هذه ليست لعبة. هذه امرأة حقيقية. أو كانت حقيقية ذات يوم.
سمعتُ صوت الباب يُفتح من الأعلى. خطواتها تنزل الدرج المعدني ببطء. أطفأتُ الهاتف واختبأتُ خلف رفٍّ قديم. مرت بجانبي، تهمس: “أين اختفيتَ يا صغيري؟ الجدّة تريد أن تلعب.”
عندما صعدتْ، بحثتُ في القبو أكثر. وجدتُ بابًا صغيرًا في الأرضية مغطى بسجادة. فتحته. تحته حفرة ضيقة تؤدي إلى نفق ترابي. دخلتُ. النفق كان ضيقًا، الهواء خانقًا. بعد أمتار قليلة وصلتُ إلى غرفة صغيرة تحت الأرض. فيها هيكل عظمي كامل لشخص بالغ، مربوط إلى كرسي. بجانبه دمية طفل ممزقة، وصورة لعائلة تبتسم أمام منزل يبدو أنه هذا المنزل نفسه.
على الجدار كتابة بالدم الجاف: “لا أحد يغادر. العائلة تكبر.”

اليوم الرابع: الصيد
في اليوم الرابع لم أنم. قضيتُ الليل أراقبها من خلال شق في الباب. كانت تتجول في المنزل كأنها تعرف كل زاوية. أحيانًا تتوقف أمام المرآة وتتحدث إلى انعكاسها كأنها تتحدث إلى شخص آخر. مرة سمعتُها تقول: “سلندرينا لم تعد تأتي. الجميع رحل. فقط أنا والتربة.”
في الصباح حاولتُ الهروب من النافذة العلوية. كسرتُ أحد الألواح. الهواء الخارجي بارد ونقي. رأيتُ الغابة الكثيفة. بدأتُ أتسلق. فجأة سمعتُ صوتها من خلفِي. لم تكن في الغرفة. كانت في الحديقة تحتي، تنظر إليّ بابتسامتها. رفعت يدها ولوّحت كأنها ترحب.
نزلتُ بسرعة. ركضتُ إلى الباب الخلفي. كان مفتوحًا هذه المرة. خرجتُ إلى الحديقة. الأرض موحلة. ركضتُ نحو السياج. فجأة غرقت قدمي في حفرة مغطاة بأوراق. فخ. سقطتُ. سمعتُ صوتها تقترب من الغابة. كانت أسرع مما توقعت. وصلتْ إليّ قبل أن أخرج قدمي. ضربتني على كتفي بالعصا. الألم كان حادًا. جرتني عائدة إلى المنزل كأنها تسحب كيسًا من البطاطس.
داخل المنزل، وضعتني على الكرسي في المطبخ وقيدتْني. جلستْ أمامي وأخرجتْ سكينًا صغيرًا. لم تقطعني. فقط مررتْه على خدي ببطء، وهي تهمس: “خمسة أيام. لم يبقَ إلا يوم واحد. إذا هربتَ غدًا، سأتركك. إذا لم تفعل... سأطهو ما تبقى.”
ضحكتْ ضحكة قصيرة ثم تركتْني.

اليوم الخامس: النهاية التي لا تنتهي
في اليوم الأخير، وجدتُ المفتاح. كان مخبأً داخل فم الدمية الممزقة في غرفة الطفل. المفتاح فتح الباب الأمامي. خرجتُ. الغابة كانت أمامي. ركضتُ. ركضتُ حتى نفد نفسي. سمعتُ صوتها خلفِي، لكنها لم تلحق بي هذه المرة. وصلتُ إلى الطريق. رأيتُ سيارة بعيدة. لوّحتُ. توقفت.
الرجل الذي قاد السيارة نظر إليّ بوجه شاحب. قال: “أنت من المنزل القديم؟ الجميع يعرفون. لا أحد يخرج منه حيًا.”
قلتُ له ما حدث. هزّ رأسه. “هي ليست امرأة. هي شيء آخر منذ زمن طويل. كانوا يقولون إنها كانت جدة عادية، ثم مات زوجها، ثم ماتت ابنتها، ثم بدأت تأخذ الناس. الشرطة جاءت مرة. لم يجدوا شيئًا. فقط عظامًا في الحديقة.”
أخذني إلى المدينة. ذهبتُ إلى الشرطة. رووا لي قصة مشابهة عن امرأة عجوز في سانت بطرسبرغ كانت تقتل جيرانها وتقطعهم وتكتب في دفتر. قالوا إنّها ماتت في المستشفى النفسي منذ سنوات. لكن المنزل هنا في الغابة لا يزال قائمًا.
عدتُ بعد أسابيع مع مجموعة. المنزل كان فارغًا. لا أثر لها. لكن في القبو، وجدنا دفترًا جديدًا مفتوحًا على صفحة بيضاء. مكتوب في أعلاها بخطّها المرتجف:
“اليوم جاء زائر جديد. شاب. سيبقى معي خمسة أيام...”
والتاريخ كان تاريخ اليوم الذي هربتُ فيه.
منذ ذلك الحين، أسمع في الليالي صوت خطوات بطيئة خارج نافذتي. وأحيانًا، عندما أنام، أحلم بأنّني أستيقظ مرة أخرى على السرير الحديدي، والحبل حول معصمي، وضحكتها المنخفضة تملأ الغرفة.
البيت لا يزال ينتظر. والتربة لا تزال جائعة.